السيد جعفر مرتضى العاملي

295

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

الرّاية منهزماً . « 1 » 4 . إنّ أهل المدينة قد طرد ذلك الجيش العائد بقيادة خالد وحثّوا التّراب في وجوههم ، وهجروهم وعاقبوهم أسوأ عقوبة . فلو صحّ أنّهم قد انتصروا لكان ينبغي أن يلاقوهم بالورود والأناشيد ، وبالأفراح والزّغاريد ، « 2 » وأن يرفعوهم على الرّاحات ، ويدوروا بهم في النّوادي والساحات . ولكان يجب على خالد وجيشه أن يعترضوا على استقبال أهل المدينة بالتّعنيف والطّرد ، وأن يشتكوهم إلى رسول الله ( ص ) ، ويجهروا بمظلوميّتهم وبأنّهم معتدي عليهم . فلماذا اختبأوا في بيوتهم ، حتّى إنّ منهم من ترك الحضور للصّلاة من شدّة الخجل ممّا حدث وحصل ؟ ! بل إنّ المتوقّع في مثل هذه الحالة هو أن يبادر رسول الله ( ص ) لمنع هذا التّجنّي ولجم الظّلم الّذي حاق بهؤلاء الأبرياء المجاهدين ، ولو بأن يخطب النّاس في المدينة ، ويؤنّبهم على ظلمهم هذا ، إن لم يتمكّن من أن يعاقبهم عليه . على أنّ هذا الّذي ذكرناه لا يعني أنّنا نريد أن ننفى أن يكون المسلمون قد أظهروا درجةً من الجدّيّة في قتال أعدائهم ، وأنّهم قد سجّلوا عليهم انتصارات قويّة . ولكنّنا نقول : إنّ ذلك إن كان قد حصل ، فإنّما حصل في الأيّام أو في السّاعات الّتي سبقت استشهاد القادة ، ولعلّ جذوته قد اتقدت بعد استشهادهم بصورة أكبر ، ولكن خالداً ضيّع ذلك . ومن المضحك المبكي حديث الرّجل من بني مُرّة ، الّذي أنكر فيه أن يكون خالد قد انهزم . . . . ثم شرح ذلك بأنّ اللّواء سقط بعد قتل ابن رواحة . . . واستمرّت الحرب قال : « فنظرت إلى اللّواء في يد خالدٍ منهزماً ، واتّبعناه ، فكانت الهزيمة » . « 3 »

--> ( 1 ) 1 . المغازي ، ج 2 ، ص 763 ، وتاريخ مدينة دمشق ، ج 49 ، ص 337 ( 2 ) 2 . زغرد البعير : هدر مردّداً هديره في حلقه ومنه زغردت النّساء في الفرح ( 3 ) 3 . الطبقات الكبرى ، ج 2 ، ص 129 ، وتاريخ مدينة دمشق ، ج 49 ، ص 37 وج 68 ، ص 87 .